صديق الحسيني القنوجي البخاري

311

فتح البيان في مقاصد القرآن

فيه قمار أو صياح أو شر فهو من الميسر ، وفي الباب روايات كثيرة مشتملة على الوعيد الشديد لا نطول بذكرها . وقد أشار سبحانه إلى ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية بقوله : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ومن المفاسد الدينية بقوله : وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ لأن شرب الخمر يشغل عن ذكر اللّه وعن فعل الصلاة وكذلك القمار يشغل صاحبه عن ذكره سبحانه وعن الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ ، ولهذا قال عمر رضي اللّه عنه لما سمع هذا : انتهينا . وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها والوعيد الشديد عليه ، وأن كل مسكر حرام وهي مدونة في كتب الحديث ، ورويت في سبب النزول روايات كثيرة فلا نطول المقام بذكرها فلسنا بصدد ذلك ، بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 92 إلى 93 ] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) ثم أكد اللّه سبحانه هذا التحريم بقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما أمركم به ونهاكم عنه وَاحْذَرُوا مخالفتهما فإن هذا وإن كان أمرا مطلقا فالمجيء به في هذا الموضع يفيد ما ذكرناه من التأكيد ، وهكذا ما أفاده بقوله : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الامتثال فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي قد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذي فيه رشادكم وصلاحكم ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم ، وفي هذا من الزجر ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه . لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا من المطاعم التي يشتهونها ، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر لكنه يجوز استعماله في الشرب ، ومنه قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [ البقرة : 249 ] أباح اللّه لهم سبحانه في هذه الآية جميع ما طعموا كائنا ما كان مقيدا بقوله : إِذا مَا اتَّقَوْا ما هو محرم عليهم كالخمر وغيره من الكبائر وجميع المعاصي وَآمَنُوا باللّه ورسوله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال التي شرعها اللّه لهم واستمروا على عملها ثُمَّ اتَّقَوْا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق وَآمَنُوا بتحريمه ، هذا معنى الآية . وقيل التكرير باعتبار الحالات الثلاث : استعمال الإنسان التقوى بينه وبين نفسه ، وبينه وبين الناس ، وبينه وبين اللّه ، وقيل باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط